ابن كثير
47
البداية والنهاية
الدولة ، وخلف خمسمائة ألف دينار ، وقام ابنه سنان بعده ، وتقوى بعمه قرواش ، واستقامت أموره ، توفي بالكرخ سابور عن سبعين سنة . ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة في محرمها كثر تردد الاعراب في قطع الطرقات إلى حواشي بغداد وما حولها ، بحيث كانوا يسلبون النساء ما عليهن ، ومن أسروه أخذوا ما معه وطالبوه بفداء نفسه ، واستفحل أمر العيارين وكثرت شرورهم ، وفي مستهل صفر زادت دجلة بحيث ارتفع الماء على الضياع ذراعين ، وسقط من البصرة في مدة ثلاثة نحو من ألفي دار . وفي شعبان منها ورد كتاب من مسعود بن محمود بأنه قد فتح فتحا عظيما في الهند ، وقتل منهم خمسين ألفا وأسر تسعين ألفا ، وغنم شيئا كثيرا ، ووقعت فتنة بين أهل بغداد والعيارين ، ووقع حريق في أماكن من بغداد ، واتسع الخرق على الراقع ، ولم يحج أحد من هؤلاء ولا من أهل خراسان . وممن توفي فيها من الأعيان . . . أحمد بن كليب الشاعر وهو أحد من هلك بالعشق ، روى ابن الجوزي في المنتظم بسنده أن أحمد بن كليب هذا المسكين المغتر عشق غلاما يقال له أسلم بن أبي الجعد ، من بني خلد ( 1 ) وكان فيهم وزارة ، أي كانوا وزراء للملوك وحجابا ، فأنشد فيه أشعارا تحدث الناس بها ، وكان هذا الشاب أسلم يطلب العلم في مجالس المشايخ فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه استحى من الناس وانقطع في دارهم ، وكان لا يجتمع بأحد من الناس ، فازداد غرام ابن كليب به حتى مرضا شديدا ، بحيث عاده منه الناس ، ولا يدرون ما به ، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ من العلماء ، فسأله عن مرضه فقال : أنتم تعلمون ذلك ، ومن أي شئ مرضي ، وفي أي شئ دوائي ، لو زارني أسلم ونظر إلى نظرة ونظرته نظرة واحدة لبرأت ، فرأى ذلك العالم من المصلحة أن لو دخل على أسلم وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مختفيا ، ولم يزل ذلك الرجل العالم بأسلم حتى أجابه إلى زيارته ، فانطلقا إليه فلما دخلا دربه ومحلته تجبن الغلام واستحى من الدخول عليه ، وقال للرجل العالم : لا أدخل عليه ، وقد ذكرني ونوه باسمي ، وهذا مكان ريبة وتهمة ، وأنا لا أحب أن أدخل مداخل التهم ، فحرص به الرجل كل الحرص ليدخل عليه فأبى عليه ، فقال له : إنه ميت لا محالة ، فإذا دخلت عليه أحييته .
--> ( 1 ) في الكامل 9 / 444 ومختصر أخبار البشر 2 / 159 : أسلم بن أحمد بن سعيد .